السيد محمد تقي المدرسي

161

البيان الاسلامي (أحاديث في العقيدة)

لم يمّس الساكنين فيها العذاب المشار إليه . فسأل النبي من ربّه سرّ ذلك ، فأوحى له الله بأنّ إيمان قومه واستغفارهم واعلانهم التوبة الصادقة حالت دون تعرضهم للعذاب ، وذلك أنّهم حينما تيقنوا من اقتراب العذاب هرعوا إلى أحد العلماء فيهم ، فأوصاهم بالإيمان بالله والخروج إلى الصحراء لإعلان توبتهم النصوح في ظلّ تضرّعهم إلى خالقهم . وقد أوجز ربنا عزّ وجلّ ذكر ذلك في قوله تعالى : ( فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) ( يونس ، 98 ) . وقد صدق الله العلي العظيم حينما قال بأنّ كلماته لا ولن تنفذ ، وإن كان البحر مداداً والشجر أقلاماً . وقد يستغرق الحديث عن قدرة الله وقاهريته وتدّخله في مجريات الوجود ما لا يعلمه إلّا هو من وقت ، فكم من واقعة مأساوية سقط فيها الأشداد من الناس ، لكن طفلًا واحداً رأيناه قد أنجاه الله . . وهو عزّ وجلّ لا تزيده كثرة العطاء إلّا جوداً وكرماً . ولكن مشكلة البشرية أنّها لا تريد أن تعي الحقائق الملموسة لها مراراً وتكراراً ، أو أنّها تعي ذلك في مدّة قصيرة ولكنّها تتغافل عنها عن سابق إصرار . فالبشرية لها المقام الأرفع بإرادة الله ، وقد أراد الخالق لها أن تؤمن بهذه الإرادة الإلهية ، غير أنّها تجّر نفسها إلى الحضيض ، فلا تؤمن بقاهرية الله تعالى ، ولا تؤمن بمقامها الرفيع ، فترى الغني في تكبر مطّرد على هذه الحقيقة ، وترى الفقير في يأس وهروب مستمرين ، إلّا من عصم ربّك . في حين كان من الطبيعي للإنسان أن يؤمن بأنّ ما آتاه الله فهو من فضله ، وما حلّ به فمن نفسه ، وبالتالي يأخذ كل امرئ موقعه الطبيعي دون تكبر أو يأس وهروب ، فيتخلص من الأفكار السلبية والشريرة ، ويعرف أنّ للغيب دوراً مؤثراً في وجوده .